الجواب الكافي

ملخص كتاب “الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي ”
للإمام ابن القيم الجوزية (تقديم القديم القيم بصورة حديثة – نعم انه لقاء حصري مع الكتاب) ..

من اعداد المهندس / نزار محمود صقران
حضرموت – يونيو 2013 Nezar2002m@yahoo.com
المقدمة :
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على خاتم أنبيائه ورسله سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم أما بعد ، فمن خلال الصفحات القادمة سنوف نلخص بإذن الله كتاب الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي للإمام ابن القيم ، وحرصا منا لتقديمه بطريقة غير تقليدية ومميزة بحيث يتم الجمع ما بين المحتوى القديم القيم الغني و كذا العرض بطريقة حديثة شيقة وممتعة حيث سنعتمد طريقة جديدة في التلخيص الا وهي عمل لقاء مع الكتاب لمحاورته لاستنباط معظم ما يحتويه الكتاب من احكام و افكار و فوائد بحيث تقدم بطريقة متسلسلة و مترابطة وسهلة يفهمها الجميع بل يشعر القارئ حين يقراء الملخص بانه ينتقل من بستنان مليء بالزهور والورود الى بستان اخر بل ربما يصل لحالة من الترقب والانتظار بلهفة لما تحويه الفقرة او الجملة اللاحقة للجملة التي يقرأها ومن خلال هذا الملخص سنحاول تقديم مساعدة للمبتدئين لفهم كتاب الشيخ ابن القيم بحيث يكون يصبح للكتاب طعم ثاني بعد قراءة هذا الملخص .. ولكي لا ينفذ صبركم ننتقل بكم للمقابلة الحصرية مع الكتاب …….
لنبدأ …..
نعم انه لمن حسن حظنا اننا التقينا اليوم بكتاب الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي فطلبنا منه ان يعرفنا عن نفسه ؟ فقال لنا الكتاب بانه دليل لكل محتار وشفاء لكل سقيم وبلسم لمن عاش في اضطراب نفسي ، ثم استطرد الكتاب قائلا بانه يحمل الكثير من فتاوي مؤلفه وهو الشيخ محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد شمس الدين ابن قيم الجوزية رضي الله عنه (المتوفى: 751هـ) . نعم فقد بهرنا بهذا الوصف الرائع مما دفعنا وبقوة لان نستأذن الكتاب بان نقراء كل ما جاء فيه ثم نلخصه في عشر صفحات … فتفاجئ الكتاب وقال لي كيف يمكنك تلخيصي في عشر صفحات فقط ؟!!. فقلت له انني أمل تعاونك معي بحيث انني سوف نستخلص معظم الكنوز ( الفتاوي و الأفكار والمواضيع ) ونقدمها بشكل مختصر ومن يريد شرح وافي او ما تم الاستناد اليه من الآيات القرآنية والاحاديث النبوية ان يرجع اليك .. وكم كانت سعادتنا كبيرة بموافقة الكتاب ولذلك وعدناه اننا بإذن الله سيتم كتابة الملخص في اقل من أسبوع واحد فقط وحينها وبكل اعجاب تمنى لنا التوفيق…
بداء الكتاب بطلب فتوى في رجل ابتلى ببلية و هو يعلم ان اذا استمرت به ستفسد دنيته واخرته ؟ وهو مجتهد في دفعها عن نفسة بكل الطرق ، فما تزداد الا توقدا وشدة فما الحيلة في دفعها ؟ و ما هو الطريق لكشفها ؟
وحينها طمئن الشيخ السائلين بالأحاديث التي تبشر بان الله يضع شفاء لكل داء الا الموت يعلم من يعلمه ويجهل من يجهله وهذا يشمل علاج للقلب والروح والبدن ، فحتى الجهل داء و دواءه سؤال العلماء .فالْقُرْآنَ كُلَّهُ شِفَاءٌ ، فَهُوَ شِفَاءٌ لِلْقُلُوبِ مِنْ دَاءِ الْجَهْلِ وَالشَّكِّ وَالرَّيْبِ، فَلَمْ يُنْزِلِ اللَّهُ سُبْحَانَهُ مِنَ السَّمَاءِ شِفَاءً قَطُّ أَعَمَّ وَلَا أَنْفَعَ وَلَا أَعْظَمَ وَلَا أَشْجَعَ فِي إِزَالَةِ الدَّاءِ مِنَ الْقُرْآنِ.
كما ان هناك وجه للشبة ما بين العلاج بالأذكار والآيات والادعية وكذا العلاج بالأدوية والدواء الحسي نعم فكلاهما تحدد درجة تأثير العلاج بدرجة قبول المريض ، كما انه يمكن ان لا ينجح العلاج بسبب مانع قوي يمنع ان ينجح الدواء .فالدعاء سلاح للمؤمن فهو يعتبر انفع الادوية فهو يدفع ويعالج ويمنع ويرفع ويخفف البلاء اذا نزل و هناك ثَلَاثُ مَقَامَاتٍ لِلدُّعَاءِ مَعَ الْبَلَاءِ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ أَقْوَى مِنَ الْبَلَاءِ فَيَدْفَعُهُ.
الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ أَضْعَفَ مِنَ الْبَلَاءِ فَيَقْوَى عَلَيْهِ الْبَلَاءُ، فَيُصَابُ بِهِ الْعَبْدُ، وَلَكِنْ قَدْ يُخَفِّفُهُ، وَإِنْ كَانَ ضَعِيفًا.
الثَّالِثُ: أَنْ يَتَقَاوَمَا وَيَمْنَعَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ.
ولكي يستجاب الدعاء لابد من عمل بالاسباب ومنها الاستمرار في الْإِلْحَاحُ فِي الدُّعَاءِ و عدم الاستعجال بقبوله و اختيار أَوْقَاتِ الْإِجَابَةِ السِّتَّةِ وكذا توفر الظروف بمعنى ليس في قول او تلفظ الدعاء فقط تكون الاستجابة ولكن الاستجابة تكمن باقتران الدعاء بضَرُورَةُ صَاحِبِهِ وَإِقْبَالُهُ عَلَى اللَّهِ، أَوْ حَسَنَةٌ تَقَدَّمَتْ مِنْهُ جَعَلَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ إِجَابَةَ دَعْوَتِهِ شُكْرًا لِحَسَنَتِهِ، أَوْ صَادَفَ وَقْتَ إِجَابَةٍ ، وَنَحْوُ ذَلِكَ ، مثلة مثل الدواء الذي يجب استعماله على الوجه الذي ينبغي ،وقد يستجاب الدعاء عند القبر فَيَظُنُّ الْجَاهِلُ أَنَّ السِّرَّ لِلْقَبْرِ، وَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ السِّرَّ لِلِاضْطِرَارِ وَصِدْقِ اللُّجْأِ إِلَى اللَّهِ.
َفالْأَدْعِيَةُ والتعويذات بِمَنْزِلَةِ السِّلَاحِ وكما هو معروف ان تأثيره يعتمد على قوة السلاح و مستخدم السلاح ، و من الحالات التي لايستجاب فيها الدعاء َهي انه اذا كان الدعاء نفسه غير صالح او ان الداعي لم يجمع بين قلبه ولسانة في الدعاء فجعل من لسانة تتلفظ بالدعاء وقلبه في مكان اخر او وجود مانع من الإجابة.
كلنا سمعنا بالسؤال هل الدعاء يرد القدر ؟ حيث فيه طائفة تركت الدعاء لاقتناعها بان الدعاء لا يرد القدر؟.
فأجاب الكتاب قائلا ان المقدور قدر بأسباب ومن أسبابه الدعاء فلم يقدر بدون سبب ولكنه قدر بسببه فعندما عمل العبد بالسبب وقع المقدور واذا لم يأتي بالسبب لا يقع المقدور وبالتالي فان الدعاء من اقوى الأسباب وبالتالي فان من الخطاء القول بانه لافائدة من الدعاء ..
ان من الأسباب المضرة للعبد في دنياه واخرته هي المعصية والغفلة ولكن يغالط العبد نفسة بالاتكال على عفو الله ومغفرته او بالتوبة والاستغفار باللسان فقط على أساس انه مهما فعل فان قوله استغفر الله يزول اثر الذنب .. ومنهم أيضا المغرورين الذين يعتبرون ان العبد مجبور وغير مخير لفعل المعاصي ، ومنهم أيضا من يعتبر ان الايمان هو مجرد التصديق والاعمال ليست من الايمان أي قول بدون فعل.

الشرك :
ان من اسباب الشرك هو ان يغتر العبد بالآخرين (الصالحين ، المشايخ ،الاسلاف ) ليتوسل الى الله بهم ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَغْتَرُّ بِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ غَنِيٌّ عَنْ عَذَابِهِ، وَعَذَابُهُ لَا يَزِيدُ فِي مُلْكِهِ شَيْئًا ، نعم فالمؤمن يحسن العمل لأنه احسن الظن بالله اما الفاجر اساء العمل لسوء الظن بالله. وهناك فرق بين حسن الظن والغرور لان حسن الظن يدفع للعمل اما الغرور فيدعو إِلَى الْبِطَالَةِ وَالِانْهِمَاكِ فِي الْمَعَاصِي وكثير من الجهال اعْتَمَدُوا عَلَى رَحْمَةِ اللَّهِ وَعَفْوِهِ وَكَرَمِهِ، وَضَيَّعُوا أَمْرَهُ وَنَهْيَهُ، وَنَسُوا أَنَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ، وَأَنَّهُ لَا يُرَدُّ بِأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ، وَمَنِ اعْتَمَدَ عَلَى الْعَفْوِ مَعَ الْإِصْرَارِ عَلَى الذَّنْبِ فَهُوَ كَالْمُعَانِدِ. ان أَعْظَمُ الْخَلْقِ غُرُورًا مَنِ اغْتَرَّ بِالدُّنْيَا وَعَاجَلَهَا، فَآثَرَهَا عَلَى الْآخِرَةِ، وَرَضِيَ بِهَا مِنَ الْآخِرَةِ .
ان هناك فرق بين الرجاء والاماني فالرجاء يتطلب ثلاثة أمور وهي محبة ما يرجوه والخوف من فواته والسعي في تحصيله (تحقيقه) بقدر المستطاع واما الرجاء الذي لا يحقق الأمور الثلاثة السابقة فهو يعتبر اماني ، فالذي يمشي في طرقه اذا خاف اسرع خوفا من ان يفوته وبالتالي يمكن ان يعتبر رجاء نعم فكل راج خائف.
السموم تضر الابدان بدرجات مختلفة كذلك هي الذنوب والمعاصي تضر القلب فَمِنْهَا: حِرْمَانُ الْعِلْمِ، فَإِنَّ الْعِلْمَ نُورٌ يَقْذِفُهُ اللَّهُ فِي الْقَلْبِ، وَالْمَعْصِيَةُ تُطْفِئُ ذَلِكَ النُّورَ .َّ فالْمَعَاصِيَ تَزْرَعُ أَمْثَالَهَا، وَتُولِدُ بَعْضَهَا بَعْضًا، حَتَّى يَعِزَّ عَلَى الْعَبْدِ مُفَارَقَتُهَا وَالْخُرُوجُ مِنْهَا، فَالْعَبْدُ إِذَا عَمِلَ حَسَنَةً قَالَتْ أُخْرَى إِلَى جَنْبِهَا: اعْمَلْنِي أَيْضًا، فَإِذَا عَمِلَهَا، قَالَتِ الثَّالِثَةُ كَذَلِكَ وَهَلُمَّ جَرًّا، فَتَضَاعَفُ الرِّبْحُ، وَتَزَايَدَتِ الْحَسَنَاتُ. فَالْمَعْصِيَةُ تُضْعِفُ إِرَادَةَ الْخَيْرِ حتى تألْفُ الْمَعْصِيَةِ اي يَنْسَلِخُ مِنَ الْقَلْبِ اسْتِقْبَاحُهَا، فَتَصِيرُ لَهُ عَادَةً، فَلَا يَسْتَقْبِحُ مِنْ نَفْسِهِ رُؤْيَةَ النَّاسِ لَهُ، وَلَا كَلَامَهُمْ فِيهِ. والْمَعْصِيَةَ سَبَبٌ لِهَوَانِ الْعَبْدِ عَلَى رَبِّهِ وَسُقُوطِهِ مِنْ عَيْنِهِ. فالناس والدواب يحملوا العاصي شؤم ذنبة فَيَحْتَرِقُ هُوَ وَغَيْرُهُ بِشُؤْمِ الذُّنُوبِ وَالظُّلْمِ ، حتى قيل : إِنَّ الْبَهَائِمَ تَلْعَنُ عُصَاةَ بَنِي آدَمَ إِذَا اشْتَدَّتِ السَّنَةُ، وَأُمْسِكَ الْمَطَرُ، وَتَقُولُ: هَذَا بِشُؤْمِ مَعْصِيَةِ ابْنِ آدَمَ. فالْمَعْصِيَةَ تُورِثُ الذُّلَّ . وأَنَّ الْمَعَاصِيَ تُفْسِدُ الْعَقْلَ، فَإِنَّ لِلْعَقْلِ نُورًا، وَالْمَعْصِيَةُ تُطْفِئُ نُورَ الْعَقْلِ ، وَإِذَا طُفِئَ نُورُهُ ضَعُفَ وَنَقَصَ.
و الذُّنُوبَ إِذَا تَكَاثَرَتْ تطُبِعَ عَلَى قَلْبِ صَاحِبِهَا، فَكَانَ مِنَ الْغَافِلِينَ. فالذُّنُوبُ تُحْدِثُ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ و تُطْفِئُ الْغَيْرَةَ من القلب الَّتِي هِيَ لِحَيَاتِهِ وَصَلَاحِهِ كَالْحَرَارَةِ الْغَرِيزِيَّةِ لِحَيَاةِ جَمِيعِ الْبَدَنِ، فالْمَعَاصِي تُذْهِبُ الْحَيَاءَ الَّذِي هُوَ مَادَّةُ حَيَاةِ الْقَلْبِ، وَهُوَ أَصْلُ كُلِّ خَيْرٍ، وَذَهَابُهُ ذَهَابُ الْخَيْرِ أَجْمَعِهِ ، الْمَعَاصِي تُضْعِفُ فِي الْقَلْبِ تَعْظِيمَ الرَّبِّ فمِنْ عُقُوبَاتِ الذُّنُوبِ: أَنَّهَا تُضْعِفُ فِي الْقَلْبِ تَعْظِيمَ الرَّبِّ جَلَّ جَلَالُهُ، وَتُضْعِفُ وَقَارَهُ فِي قَلْبِ الْعَبْدِ و الْمَعَاصِي تُخْرِجُ الْعَبْدَ مِنْ دَائِرَةِ الْإِحْسَانِ وَتَمْنَعُهُ مِنْ ثَوَابِ الْمُحْسِنِينَ، فَإِنَّ الْإِحْسَانَ إِذَا بَاشَرَ الْقَلْبَ مَنَعَهُ عَنِ الْمَعَاصِي، فالْعَاصِي يَفُوتُهُ ثَوَابُ الْمُؤْمِنِينَ وَ رُفْقَتهم فالمَعَاصِي تُضْعِفُ الْقَلْبَ و تُزِيلُ النِّعَمَ فهي تُلْقِي الرُّعْبَ وَالْخَوْفَ فِي الْقُلُوبِ و تُمْرِضُ الْقُلُوبَ و تُعْمِي الْبَصِيرَةَ و تُصَغِّرُ النَّفْسَ و مَجْلَبَةٌ لِلذَّمِّ و تنقص العقل و تمحق البركة و تُضْعِفُ الْعَبْدَ أَمَامَ نَفْسِهِ فالْمَعَاصِي تُعْمِي الْقَلْبَ وهي عَدُوٌّ لَدُودٌ اي مَدَدٌ مِنَ الْإِنْسَانِ يَمُدُّ بِهِ عَدُوَّهُ عَلَيْهِ، وَجَيْشٌ يُقَوِّيهِ بِهِ عَلَى حَرْبِهِ، فالْعَاصِيَ دَائِمًا فِي أَسْرِ شَيْطَانِهِ، وَسِجْنِ شَهَوَاتِهِ، وَقُيُودِ هَوَاهُ، فَهُوَ أَسِيرٌ مَسْجُونٌ مُقَيَّدٌ، و تُسْقِطُ الكرامة فالمعاصي تُوجِبُ الْقَطِيعَةَ بَيْنَ الْعَبْدِ وَالرَّبِّ و تَجْعَلُ صَاحِبَهَا مِنَ السَّفَلَةِ.
الْمَعْصِيَةُ تُنْسِي الْعَبْدَ نَفْسَهُ وَإِذَا نَسِيَ نَفْسَهُ أَهْمَلَهَا وَأَفْسَدَهَا وَأَهْلَكَهَا، فالمعصية تُزِيلُ النِّعَمَ و تَسْتَجْلِبُ مَوَادَّ هَلَاكِ الْعَبْدِ مِنْ دُنْيَاهُ وَآخِرَتِهِ،. وللذُّنُوبِ نَوْعَانِ من العقوبات فهي اما تكون شَرْعِيَّةٌ اي شرعها الله سبحانه على قدر مفسدة الذنب مثل القتل او قطع اليد ،او عقوبة َقَدَرِيَّة الذي ممكن تكون خاصة او عامة فالْمَعْصِيَةَ إِذَا خَفِيَتْ لَمْ تَضُرَّ إِلَّا صَاحِبَهَا، وَإِذَا أُعْلِنَتْ ضَرَّتِ الْخَاصَّةَ وَالْعَامَّةَ، وَإِذَا رَأَى النَّاسُ الْمُنْكَرَ فَتَرَكُوا إِنْكَارَهُ أَوْشَكَ أَنْ يَعُمَّهُمُ اللَّهُ بِعِقَابِهِ. ٌ، وإِذَا أُقِيمَتِ العقوبة الشَّرْعِيَّةٌ رُفِعَتِ الْعُقُوبَةُ الْقَدَرِيَّةُ وَخَفَّفَتْهَا، وَلَا يَكَادُ الرَّبُّ تَعَالَى يَجْمَعُ عَلَى الْعَبْدِ بَيْنَ الْعُقُوبَتَيْنِ إِلَّا إِذَا لَمْ يَفِ أَحَدُهُمَا بِرَفْعِ مُوجَبِ الذَّنْبِ، وَلَمْ يَكْفِ فِي زَوَالِ دَائِهِ، وَإِذَا عُطِّلَتِ الْعُقُوبَاتُ الشَّرْعِيَّةُ اسْتَحَالَتْ قَدَرِيَّةً، وَرُبَّمَا كَانَتْ أَشَدَّ مِنَ الشَّرْعِيَّةِ.

اقسام الذنوب ثلاثة :
قِسْمًا فِيهِ الْحَدُّ، فَهَذَا لَمْ يَشْرَعْ فِيهِ كَفَّارَةً اكْتِفَاءً بِالْحَدِّ.
وَقِسْمًا لَمْ يُرَتِّبْ عَلَيْهِ حَدًّا، فَشَرَعَ فِيهِ الْكَفَّارَةَ، كَالْوَطْءِ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ، وَالْوَطْءِ فِي الْإِحْرَامِ، وَالظِّهَارِ، وَقَتْلِ الْخَطَأِ، وَالْحِنْثِ فِي الْيَمِينِ وَغَيْرِ ذَلِكَ.
وَقِسْمًا لَمْ يُرَتِّبْ عَلَيْهِ حَدًّا وَلَا كَفَّارَةً، وَهُوَ نَوْعَانِ:
أَحَدُهُمَا: مَا كَانَ الْوَازِعُ عَنْهُ طَبِيعِيًّا، كَأَكْلِ الْعَذِرَةِ، وَشُرْبِ الْبَوْلِ وَالدَّمِ.
وَالثَّانِي: مَا كَانَتْ مَفْسَدَتُهُ أَدْنَى مِنْ مَفْسَدَةِ مَا رُتِّبَ عَلَيْهِ الْحَدُّ، كَالنَّظَرِ وَالْقُبْلَةِ وَاللَّمْسِ وَالْمُحَادَثَةِ، وَسَرِقَةِ فِلْسٍ، وَنَحْوِ ذَلِكَ.
أنواع الكفارات ثلاثة:
أَحَدُهَا: مَا كَانَ مُبَاحَ الْأَصْلِ، ثُمَّ عَرَضَ تَحْرِيمُهُ فَبَاشَرَهُ فِي الْحَالَةِ الَّتِي عَرَضَ فِيهَا التَّحْرِيمُ، كَالْوَطْءِ فِي الْإِحْرَامِ وَالصِّيَامِ، وَطَرْدُهُ: الْوَطْءُ فِي الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ، بِخِلَافِ الْوَطْءِ فِي الدُّبُرِ، وَلِهَذَا كَانَ إِلْحَاقُ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ لَهُ بِالْوَطْءِ فِي الْحَيْضِ لَا يَصِحُّ، فَإِنَّهُ لَا يُبَاحُ فِي وَقْتٍ دُونَ وَقْتٍ، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ التَّلَوُّطِ، وَشُرْبِ الْمُسْكِرِ.
النَّوْعُ الثَّانِي: مَا عُقِدَ لِلَّهِ مِنْ نَذْرٍ أَوْ بِاللَّهِ مِنْ يَمِينٍ، أَوْ حَرَّمَهُ اللَّهُ ثُمَّ أَرَادَ حِلَّهُ، فَشَرَعَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ حِلَّهُ بِالْكَفَّارَةِ وَسَمَّاهَا نِحْلَةً، وَلَيْسَتْ هَذِهِ الْكَفَّارَةُ مَاحِيَةً لِهَتْكِ حُرْمَةِ الِاسْمِ بِالْحِنْثِ، كَمَا ظَنَّهُ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ، فَإِنَّ الْحِنْثَ قَدْ يَكُونُ وَاجِبًا، وَقَدْ يَكُونُ مُسْتَحَبًّا، وَقَدْ يَكُونُ مُبَاحًا، وَإِنَّمَا الْكَفَّارَةُ حِلٌّ لِمَا عَقَدَهُ.
النَّوْعُ الثَّالِثُ: مَا تَكُونُ فِيهِ جَابِرَةً لِمَا فَاتَ، كَكَفَّارَةِ قَتْلِ الْخَطَأِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ إِثْمٌ، وَكَفَّارَةِ قَتْلِ الصَّيْدِ خَطَأً، فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ بَابِ الْجَوَابِرِ، وَالنَّوْعُ الْأَوَّلُ مِنْ بَابِ الزَّوَاجِرِ، وَالنَّوْعُ الْوَسَطُ مِنْ بَابِ التَّحِلَّةِ لِمَا مِنْهُ الْعَقْدُ.
الْحَدُّ وَالتَّعْزِيرُ لَا يَجْتَمِعُان فِي مَعْصِيَةٍ، بَلْ إِنْ كَانَ فِيهَا حَدٌّ اكْتُفِيَ بِهِ وَإِلَّا اكْتُفِيَ بِالتَّعْزِيرِ، وَلَا يَجْتَمِعُ الْحَدُّ وَالْكَفَّارَةُ فِي مَعْصِيَةٍ، بَلْ كُلُّ مَعْصِيَةٍ فِيهَا حَدٌّ فَلَا كَفَّارَةَ فِيهَا، وَمَا فِيهِ كَفَّارَةٌ فَلَا حَدَّ فِيهِ، وَهَلْ يَجْتَمِعُ التَّعْزِيرُ وَالْكَفَّارَةُ فِي الْمَعْصِيَةِ الَّتِي لَا حَدَّ فِيهَا؟
فِيهِ وَجْهَانِ: وَهَذَا كَالْوَطْءِ فِي الْإِحْرَامِ وَالصِّيَامِ، وَوَطْءِ الْحَائِضِ، وَإِذَا أَوْجَبْنَا فِيهِ الْكَفَّارَةَ، فَقِيلَ: يَجِبُ فِيهِ التَّعْزِيرُ لِمَا انْتَهَكَ مِنَ الْحُرْمَةِ بِرُكُوبِ الْجِنَايَةِ، وَقِيلَ: لَا تَعْزِيرَ فِي ذَلِكَ، اكْتِفَاءً بِالْكَفَّارَةِ لِأَنَّهَا جَابِرَةٌ وَمَاحِيَةٌ.
الْعُقُوبَاتُ الْقَدَرِيَّةُ هِيَ نَوْعَانِ اما ان تكون عَلَى الْقُلُوبِ وَالنُّفُوسِ، اوٌ عَلَى الْأَبْدَانِ وَالْأَمْوَالِ.
وَالعقوبة عَلَى الْقُلُوبِ ايضا نَوْعَانِ: اما آلَامٌ وُجُودِيَّةٌ يُضْرَبُ بِهَا الْقَلْبُ. او قَطْعُ الْمَوَادِ الَّتِي بِهَا حَيَاتُهُ وَصَلَاحُهُ عَنْهُ ، وَعُقُوبَةُ الْقُلُوبِ أَشَدُّ الْعُقُوبَتَيْنِ، وَهِيَ أَصْلُ عُقُوبَةِ الْأَبْدَانِ .وَهَذِهِ الْعُقُوبَةُ تَقْوَى وَتَتَزَايَدُ، حَتَّى تَسْرِيَ مِنَ الْقَلْبِ إِلَى الْبَدَنِ، كَمَا يَسْرِي أَلَمُ الْبَدَنِ إِلَى الْقَلْبِ، فَإِذَا فَارَقَتِ النَّفْسُ الْبَدَنَ صَارَ الْحُكْمُ مُتَعَلِّقًا بِهَا فَظَهَرَتْ عُقُوبَةُ الْقَلْبِ حِينَئِذٍ، وَصَارَتْ عَلَانِيَةً ظَاهِرَةً، وَهِيَ الْمُسَمَّاةُ بِعَذَابِ الْقَبْرِ، وَنِسْبَتُهُ إِلَى الْبَرْزَخِ كَنِسْبَةِ عَذَابِ الْأَبْدَانِ إِلَى هَذِهِ الدَّارِ.
الْعُقُوبَاتُ الْقَدَرِيَّةُ عَلَى الْأَبْدَانِ وهي نوعان اما ان تكون فِي الدُّنْيَا او فِي الْآخِرَةِ. فالذُّنُوبُ مُتَفَاوِتَةً فِي دَرَجَاتِهَا وَمَفَاسِدِهَا تَفَاوَتَتْ عُقُوبَاتُهَا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ بِحَسَبِ تَفَاوُتِهَا فالذُّنُوبُ كَبَائِرُ وَصَغَائِرُ .

الشِّرْكُ اما ان يكون شِرْكٌ يَتَعَلَّقُ بِذَاتِ الْمَعْبُودِ وَأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ وَأَفْعَالِهِ وهذا الشرك يكون في نوعين:
1-شرك تعطيل وَهُوَ أَقْبَحُ أَنْوَاعِ الشِّرْكِ، وهو ان لا يقر المشرك بالخالق سبحانه وصفاته كَشِرْكِ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَ: {وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ} [سُورَةُ الشُّعَرَاءِ: 23].
2-الشِرْكٌ فِي عِبَادَتِهِ وَمُعَامَلَتِهِ، وَإِنْ كَانَ صَاحِبُهُ يَعْتَقِدُ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ فِي ذَاتِهِ، وَلَا فِي صِفَاتِهِ، وَلَا فِي أَفْعَالِهِ.
او شِرْكُ مَنْ جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَمْ يُعَطِّلْ أَسْمَاءَهُ وَصِفَاتِهِ وَرُبُوبِيَّتَهُ، كَشِرْكِ النَّصَارَى الَّذِينَ جَعَلُوهُ ثَلَاثَةً، فَجَعَلُوا الْمَسِيحَ إِلَهًا، وَأُمَّهُ إِلَهًا.
مَفْسَدَةُ الزِّنَى مِنْ أَعْظَمِ الْمَفَاسِدِ وَهِيَ مُنَافِيَةٌ لِمَصْلَحَةِ نِظَامِ الْعَالَمِ فِي حِفْظِ الْأَنْسَابِ، وَحِمَايَةِ الْفُرُوجِ، وَصِيَانَةِ الْحُرُمَاتِ، وَتَوَقِّي مَا يُوقِعُ أَعْظَمَ الْعَدَاوَةِ وَالْبَغْضَاءِ بَيْنَ النَّاسِ، مِنْ إِفْسَادِ كُلٍّ مِنْهُمُ امْرَأَةَ صَاحِبِهِ وَبِنْتِهِ وَأُخْتِهِ وَأُمِّهِ، وَفِي ذَلِكَ خَرَابُ الْعَالَمِ، كَانَتْ تَلِي مَفْسَدَةَ الْقَتْلِ فِي الْكِبَرِ ، وكذلك فان َ مَفْسَدَةُ اللِّوَاطِ مِنْ أَعْظَمِ الْمَفَاسِدِ؛ فكَانَتْ عُقُوبَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ مِنْ أَعْظَمِ الْعُقُوبَاتِ.
اقوال الفقهاء في واطي البهيمة ثلاثة :
أَحَدُهَا: أَنَّهُ يُؤَدَّبُ، وَلَا حَدَّ عَلَيْهِ، وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ، وَهُوَ قَوْلُ إِسْحَاقَ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ الزَّانِي، يُجْلَدُ إِنْ كَانَ بِكْرًا، وَيُرْجَمُ إِنْ كَانَ مُحْصَنًا، وَهَذَا قَوْلُ الْحَسَنِ.
وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ: أَنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ اللُّوطِيِّ، نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ، فَيُخَرَّجُ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي حَدِّهِ، هَلْ هُوَ الْقَتْلُ حَتْمًا أَوْ هُوَ كَالزَّانِي؟
اللِّوَاطِ وَالسِّحَاقِ مختلفان في القياس الا في حالة مُبَاشَرَةُ الرَّجُلِ الرَّجُلَ مِنْ غَيْرِ إِيلَاجٍ فقد جَاءَ فِي بَعْضِ الْآثَارِ الْمَرْفُوعَةِ: ” «إِذَا أَتَتِ الْمَرْأَةُ الْمَرْأَةَ فَهُمَا زَانِيَتَانِ» ” وَلَكِنْ لَا يَجِبُ الْحَدُّ بِذَلِكَ، لِعَدَمِ الْإِيلَاجِ، وَإِنْ أُطْلِقَ عَلَيْهِمَا اسْمُ الزِّنَى الْعَامُّ، كَزِنَى الْعَيْنِ وَالْيَدِ وَالرِّجْلِ وَالْفَمِ.
طيب هل من علاج للِّوَاط ْ؟ فالإجابة نعم لأنه «مَا أَنْزَلَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ مِنْ دَاءٍ إِلَّا جَعَلَ لَهُ دَوَاءً،» عَلِمَهُ مَنْ عَلِمَهُ وَجَهِلَهُ مَنْ جَهِلَهُ “.
النَّظْرَةَ سَهْمٌ مَسْمُومٌ مِنْ سِهَامِ إِبْلِيسَ، وَمَنْ أَطْلَقَ لَحَظَاتِهِ دَامَتْ حَسَرَاتُهُ، ولذلك فهناك منافع كثيرة في غَضِّ الْبَصَرِ واهمها :
– أَنَّهُ امْتِثَالٌ لِأَمْرِ اللَّهِ الَّذِي هُوَ غَايَةُ سَعَادَةِ الْعَبْدِ فِي مَعَاشِهِ وَمَعَادِهِ، فَلَيْسَ لِلْعَبْدِ فِي دُنْيَاهُ وَآخِرَتِهِ أَنْفَعُ مِنَ امْتِثَالِ أَوَامِرِهِ، وَمَا شَقِيَ مَنْ شَقِيَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ إِلَّا بِتَضْيِيعِ أَوَامِرِهِ.
– أَنَّهُ يَمْنَعُ مِنْ وُصُولِ أَثَرِ السَّهْمِ الْمَسْمُومِ -الَّذِي لَعَلَّ فِيهِ هَلَاكَهُ -إِلَى قَلْبِهِ.
– أَنَّهُ يُورِثُ الْقَلْبَ أُنْسًا بِاللَّهِ وَجَمْعِيَّةً عَلَيْهِ، فَإِنَّ إِطْلَاقَ الْبَصَرِ يُفَرِّقُ الْقَلْبَ وَيُشَتِّتُهُ، وَيُبْعِدُهُ عَنِ اللَّهِ، وَلَيْسَ عَلَى الْقَلْبِ شَيْءٌ أَضَرُّ مِنْ إِطْلَاقِ الْبَصَرِ، فَإِنَّهُ يُورِثُ الْوَحْشَةَ بَيْنَ الْعَبْدِ وَرَبِّهِ.
– أَنَّهُ يُقَوِّي الْقَلْبَ وَيُفْرِحُهُ، كَمَا أَنَّ إِطْلَاقَ الْبَصَرِ يُضْعِفُهُ وَيُحْزِنُهُ.
– أَنَّهُ يُكْسِبُ الْقَلْبَ نُورًا، كَمَا أَنَّ إِطْلَاقَهُ يُلْبِسُهُ ظُلْمَةً، وَلِهَذَا ذَكَرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ آيَةَ النُّورِ عُقَيْبَ الْأَمْرِ بِغَضِّ الْبَصَرِ. .
ا-أَنَّهُ يُورِثُ فِرَاسَةً صَادِقَةً يُمَيَّزُ بِهَا بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ، وَالصَّادِقِ وَالْكَاذِبِ،
– أَنَّهُ يُورِثُ الْقَلْبَ ثَبَاتًا وَشَجَاعَةً وَقُوَّةً، فَجَمَعَ اللَّهُ لَهُ بَيْنَ سُلْطَانِ النُّصْرَةِ وَالْحُجَّةِ، وَسُلْطَانُ الْقُدْرَةِ وَالْقُوَّةِ، كَمَا فِي الْأَثَرِ: ” الَّذِي يُخَالِفُ هَوَاهُ، يَفِرُّ الشَّيْطَانُ مِنْ ظِلِّهِ “.
– أَنَّهُ يُسْدَلُ عَلَى الشَّيْطَانِ مَدْخَلُهُ مِنَ الْقَلْبِ، فَإِنَّهُ يَدْخُلُ مَعَ النَّظْرَةِ وَيَنْفُذُ مَعَهَا إِلَى الْقَلْبِ أَسْرَعَ مِنْ نُفُوذِ الْهَوَاءِ فِي الْمَكَانِ الْخَالِي، فَيُمَثِّلُ لَهُ صُورَةَ الْمَنْظُورِ إِلَيْهِ وَيُزَيِّنُهَا، وَيَجْعَلُهَا صَنَمًا يَعْكُفُ عَلَيْهِ الْقَلْبُ ثُمَّ يَعِدُهُ وَيُمَنِّيهِ، وَيُوقِدُ عَلَى الْقَلْبِ نَارَ الشَّهْوَةِ، وَيُلْقِي عَلَيْهَا حَطَبَ الْمَعَاصِي الَّتِي لَمْ يَكُنْ يُتَوَصَّلُ إِلَيْهَا بِدُونِ تِلْكَ الصُّورَةِ، فَيَصِيرُ الْقَلْبُ فِي اللَّهَبِ.
– أَنَّهُ يُفَرِّغُ الْقَلْبَ لِلْفِكْرَةِ فِي مَصَالِحِهِ وَالِاشْتِغَالِ بِهَا، وَإِطْلَاقُ الْبَصَرِ يُنْسِيهِ ذَلِكَ وَيَحُولُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ، فَيَنْفَرِطُ عَلَيْهِ أَمْرُهُ وَيَقَعُ فِي اتِّبَاعِ هَوَاهُ وَفِي الْغَفْلَةِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ، قَالَ تَعَالَى: {وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا} [سُورَةُ الْكَهْفِ: 28] .
– أَنَّ بَيْنَ الْعَيْنِ وَالْقَلْبِ مَنْفَذًا وَطَرِيقًا يُوجِبُ انْتِقَالَ أَحَدِهِمَا عَنِ الْآخَرِ، وَأَنْ يَصْلُحَ بِصَلَاحِهِ، وَيَفْسُدَ بِفَسَادِهِ، فَإِذَا فَسَدَ الْقَلْبُ؛ فَسَدَ النَّظَرُ، وَإِذَا فَسَدَ النَّظَرُ؛ فَسَدَ الْقَلْبُ، وَكَذَلِكَ فِي جَانِبِ الصَّلَاحِ، فَإِذَا خَرِبَتِ الْعَيْنُ وَفَسَدَتْ؛ خَرِبَ الْقَلْبُ وَفَسَدَ، وَصَارَ كَالْمَزْبَلَةِ الَّتِي هِيَ مَحَلُّ النَّجَاسَاتِ وَالْقَاذُورَاتِ وَالْأَوْسَاخِ، فَلَا يَصْلُحُ لِسُكْنَى مَعْرِفَةِ اللَّهِ وَمَحَبَّتِهِ وَالْإِنَابَةِ إِلَيْهِ، وَالْأُنْسِ بِهِ وَالسُّرُورِ بِقُرْبِهِ فِيهِ، وَإِنَّمَا يَسْكُنُ فِيهِ أَضْدَادُ ذَلِكَ.
المحبة الصادقة تقتضي توحيد المحبوب فلا يجتمع في القلب عشق اخر كعشق الصور مثلا فالْمَحْبُوبُ مِنَ الْخَلْقِ يَأْنَفُ وَيَغَارُ أَنْ يُشْرَكَ مَعَهُ مَحَبَّةُ غَيْرِهِ فِي مَحَبَّتِهِ، وَيَمْقُتُهُ لِذَلِكَ، وَيُبْعِدُهُ لَا يُحْظِيهِ بِقُرْبِهِ، وَيَعُدُّهُ كَاذِبًا فِي دَعْوَى مَحَبَّتِهِ، مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ أَهْلًا لِصَرْفِ كُلِّ قُوَّةِ الْمَحَبَّةِ إِلَيْهِ، فَكَيْفَ بِالْحَبِيبِ الْأَعْلَى الَّذِي لَا تَنْبَغِي الْمَحَبَّةُ إِلَّا لَهُ وَحْدَهُ، وَكُلُّ مَحَبَّةٍ لِغَيْرِهِ فَهِيَ عَذَابٌ عَلَى صَاحِبِهَا وَوَبَالٌ؟ وَلِهَذَا لَا يَغْفِرُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ فِي هَذِهِ الْمَحَبَّةِ، وَيَغْفِرَ مَا دُونُ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ.
اما خَاصِّيَّةُ التَّعَبُّدِ اي الْحُبُّ مَعَ الْخُضُوعِ، وَالذُّلِّ لِلْمَحْبُوبِ، فَمَنْ أَحَبَّ مَحْبُوبًا وَخَضَعَ لَهُ فَقَدْ تَعَبَّدَ قَلْبَهُ لَهُ، بَلِ التَّعَبُّدُ آخِرُ مَرَاتِبِ الْحُبِّ، وَيُقَالُ لَهُ التَّتَيُّمُ أَيْضًا، فَإِنَّ أَوَّلَ مَرَاتِبِهِ الْعَلَاقَةُ، وَسُمِّيَتْ عَلَاقَةً لِتَعَلُّقِ الْمُحِبِّ بِالْمَحْبُوبِ.
التَّتَيُّمُ هُوَ آخِرُ مَرَاتِبِ الْحُبِّ، وَهُوَ تَعَبُّدُ الْمُحِبِّ لِمَحْبُوبِهِ، يُقَالُ تَيَّمَهُ الْحُبُّ، إِذَا عَبَّدَهُ، وَمِنْهُ: تَيْمُ اللَّهِ، أَيْ عَبْدُ اللَّهِ، وَحَقِيقَةُ التَّعَبُّدِ: الذُّلُّ وَالْخُضُوعُ لِلْمَحْبُوبِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ: طَرِيقٌ مُعَبَّدٌ أَيْ مُذَلَّلٌ، قَدْ ذَلَّلَتْهُ الْأَقْدَامُ، فَالْعَبْدُ هُوَ الَّذِي ذَلَّلَهُ الْحُبُّ وَالْخُضُوعُ لِمَحْبُوبِهِ، وَلِهَذَا كَانْتَ أَشْرَفُ أَحْوَالِ الْعَبْدِ وَمَقَامَاتِهِ فِي الْعُبُودِيَّةِ، فَلَا مَنْزِلَ لَهُ أَشْرَفُ مِنْهَا.
ان اصل الشرك بالله هو الاشراك في المحبة كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ} [سُورَةُ الْبَقَرَةِ: 165] .
فَأَخْبَرَ سُبْحَانَهُ أَنَّ مِنَ النَّاسِ مَنْ يُشْرِكُ بِهِ نِدًّا يُحِبُّهُ كَمَا يُحِبُّ اللَّهَ، وَأَخْبَرَ أَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ مِنْ أَصْحَابِ الْأَنْدَادِ لِأَنْدَادِهِمْ.

ان هناك اربعة انواع من المحبة
1- محبة الله ولا تكفي وحدها في النجاة من عذاب الله والفوز بالثواب فالمشركين وعباد الصليب واليهود يحبون الله.
2- محبة ما يحب الله وهذه هي التي تدخل في الاسلام وتخرج من الكفر واحب الناس الى الله اقواهم بهذه المحبة واشدهم فيها.
3- الحب في الله وفيه وهي مِنْ لَوَازِمِ مَحَبَّةِ مَا يُحِبُّ، وَلَا تَسْتَقِيمُ مَحَبَّةُ مَا يُحِبُّ إِلَّا فِيهِ وَلَهُ.
4- الْمَحَبَّةُ مَعَ اللَّهِ، وَهِيَ الْمَحَبَّةُ الشِّرِكِيَّةُ، وَكُلُّ مَنْ أَحَبَّ شَيْئًا مَعَ اللَّهِ لَا لِلَّهِ، وَلَا مِنْ أَجْلِهِ، وَلَا فِيهِ، فَقَدِ اتَّخَذَهُ نِدًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ، وَهَذِهِ مَحَبَّةُ الْمُشْرِكِينَ.
اما الحب رقم خمسة فقد قال لي الكتاب انه ليس مما هو فيه .. وهو الْمَحَبَّةُ الطَّبِيعِيَّةُ، وَهِيَ مَيْلُ الْإِنْسَانِ إِلَى مَا يُلَائِمُ طَبْعَهُ، كَمَحَبَّةِ الْعَطْشَانِ لِلْمَاءِ، وَالْجَائِعِ لِلطَّعَامِ، وَمَحَبَّةِ النَّوْمِ وَالزَّوْجَةِ وَالْوَلَدِ، فَتِلْكَ لَا تُذَمُّ إِلَّا إِذَا أَلْهَتْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ، وَشَغَلَتْ عَنْ مَحَبَّتِهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ} [سُورَةُ الْمُنَافِقُونَ: 9] .
وَقَالَ تَعَالَى {رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ} [سُورَةُ النُّورِ: 37] .
هناك فرق بين المحبة والخلة ولكن فيه من يغلط ولا يميز في ذلك، فالمحبة عامة والخلة خاصة لان الخلة كمال و نهاية المحبة .. ِحَيْثُ لَا يَبْقَى فِي الْقَلْبِ سَعَةٌ لِغَيْرِ مَحْبُوبِهِ، وَهِيَ مَنْصِبٌ لَا يَقْبَلُ الْمُشَارَكَةَ بِوَجْهٍ مَا، وَهَذَا الْمَنْصِبُ خَاصٌّ لِلْخَلِيلَيْنِ -صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمَا -: إِبْرَاهِيمَ وَمُحَمَّدٍ، كَمَا قَالَ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إِنَّ اللَّهَ اتَّخَذَنِي خَلِيلًا كَمَا اتَّخَذَ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا».
وَفِي الصَّحِيحِ عَنْهُ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – أَنَّهُ قَالَ: «لَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ خَلِيلًا لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا، وَلَكِنَّ صَاحِبَكُمْ خَلِيلُ اللَّهِ» .
ان العبد يترك ما يحبه ويهواه على اساس الانتقال من الاضعف الى الاقوى محبة .. والعكس صحيح اي ان يفعل ما يكره لكي يحصل على ما محبته اقوى عنده من كره ما يفعله او للتخلص من مكروه. وهذا بحاجة الى قوة الادراك وشجاعة القلب .. نعم فلمعرفة مراتب المحبوب والمكروه بحاجة لإدراك قوي ..وكذلك بحاجة لقوة النفس وشجاعة في القلب حتى يؤثر الاصح وبهذا يوفق لأسباب السعادة ، والناس حالات .. ! فمنهم من تكون شهوتهم اقوى من العقل والايمان فتقهر الشهوة العقل والايمان، فعندما يتناول المرضى ما منعه لهم الاطباء فبهذا غلبة عليهم أنفسهم وشهوتهم على عقلهم مما يزيدوا مرضهم بسبب قوة شهوتهم له وخلاصة القول ان أصل الشر من ضعف الادراك وضعف النفس ودناءتها واصل الخير من كمال الادراك وقوة النفس وشرفها وشجاعتها. فَالْحُبُّ وَالْإِرَادَةُ أَصْلُ كُلِّ فِعْلٍ وَمَبْدَؤُهُ، وَالْبُغْضُ وَالْكَرَاهَةُ أَصْلُ كُلِّ تَرْكٍ وَمَبْدَؤُهُ، وَهَاتَانِ الْقُوَّتَانِ فِي الْقَلْبِ، أَصْلُ سَعَادَةِ الْعَبْدِ وَشَقَاوَتِهِ.
ان المنفعة هي ما يدفع لفعل الشيء او تركه ولكن لقصر نظر كثير من الناس لا يحسبوا للعاقبة .. نعم فالكل يهدف للتخلص من الهم والغم ولكن كلين بطريقته فمنهم عن طريق الاكل والشرب ومنهم عن طريق التجارة والكسب ومنهم بالنكاح ومنهم بسماع الغناء والاصوات المطربة او باللهو واللعب ولكن كل هذه الطرق لا توصل للهدف بل ان اكثرها توصل الى نتيجة عكسية لما يهدفون اليه لان الطريق الوحيد الذي يوصل للهدف هي الاقبال على الله وحدة ومعاملته وحدة وايثار مرضاته على كل شيء .. وان فاته حظه من الدنيا نال بالحظ العالي في الاخرة، نعم انه الطريق الصحيح للسعادة الحقيقية.

والمحبوب يقسم الى قسمان اي محبوب لنفسه ومحبوب لغيره وان الله وحده هو من يُحَبُّ لذاته وكل ما سواه يحب تبعا لمحبة الله كمحبة الملائكة والانبياء.

وبهذا نكون قد انتهينا من ملخص كتاب
” الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي ”
للإمام ابن قيم الجوزية
فعلا اسم على مسمى .. كتاب قيم لابن القيم ..

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s